من ذاكرة التاريخ
القدس والسلطان
قال تعالى "
سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا
حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير "
عبر العصور الإسلامية المتعاقبة والمسلمون يقدمون أرواحهم
وأرواح أبنائهم من أجل الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقد بذلوا
الغالي والنفيس للحفاظ على مسرى خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولعل
التاريخ ما زال يخط بأحرف من نور موقف السلطان عبد الحميد الثاني من القدس وفلسطين
وصموده كالطود الأشم في وجه اليهود وإغراءاتهم ، ففي عام 1890 م تقدم الزعيم
الصهيوني اليهودي ( هرتزل ) بطلب إقامة وطن يهودي في القدس عن طريق إقامة قرى
يهودية في فلسطين تكون خاضعة لقوانين ونظم الدولة العثمانية. ولا مانع أن يكون
فيها منازل للمسلمين مقابل إغراءات شتى يقدمها اليهود. لكن السلطان عبد الحميد
الثاني قد رفض هذا الطلب ، وأصدر أوامره إلى سفراء إمبراطوريته في كل من واشنطن
ولندن وباريس وبرلين وفيينا بتعقب الحركة الصهيونية وإرسال تقارير عنها أولاً بأول
إليه. لم يقنط اليهود ولم ييأسوا فلقد أعادوا الكرة ثانية عام 1901 م وعرضوا
الأموال والمساعدات التي من أهمها :
1ـ إنشاء أسطول بحري للدولة العثمانية .
2ـ إنشاء جامعة عثمانية في بيت المقدس .
3 ـ تسديد جميع ديون الدولة العثمانية
4ـ تقديم قرض مالي كبير للدولة العثمانية لتنفيذ مشروعاتها العمرانية .
5 ـ فرض أتاوة سنوية تساعد على إنعاش الاقتصاد العثماني .
( رفض القائد المسلم كل هذه المغريات على الرغم من الوهن الذي حل
بإمبراطوريته ووجه مقولته المشهورة إلى ( هرتزل ) والتي خطها له التاريخ بأحرف من
نور والتي جاء فيها : (( انصحوا الدكتور ( هرتزل ) ألا يتخذ خطوات جدية في هذا
الموضوع ، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل
ملك شعبي الذي ناضل في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه. فليحتفظ اليهود بملايينهم وإذا
مزقت إمبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن ، أما وأنا
حي فإن عمل المبضع في جسمي لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بُترت من إمبراطوريتي
وهذا أمر لا يكون، إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة
)).
ومن كلامه المشهور أيضاً رحمه الله أنه لن يتخلى عن القدس فإن
جامع عمر يجب أن يبقى بيد المسلمين دائماً .
ولتعلم أن الفتح الإسلامي للمدينة المقدسة كان مصدر خير وأمن وأمان
للمدينة وسكانها، حيث عاش فيها العرب واليهود جنباً إلى جنب تربطهم علاقة حسن
الجوار وأواصر المودة والرحمة إلى أن وفد على فلسطين إسرائيليون غرباء من أوروبا
ومن دول أخرى نزع الله من قلوبهم الرحمة وشطوا في أطماعهم السياسية وحدث ما حدث
وعلى ما يبدو سيبقى الصراع قائماً بين المسلمين واليهود حتى قيام الساعة .
وذكر أن هذه ليست هي المرة الأولى التي تسقط فيها مدينة
القدس من أيدي المسلمين فلقد سبق أن احتلها الصليبيون في القرن الحادي عشر
الميلادي وكأن التاريخ يعيد نفسه ، حيث يرجع سبب ضياعها في الجولتين إلى كثرة
الخلافات بين المسلمين أنفسهم مما جرأ قادة إسرائيل أن يتبجحوا ويتشدقوا بملء
أفواههم بأن القدس هي العاصمة الأبدية لدولتهم ضاربين بعرض الحائط انتقادات
واحتجاجات العالم أجمع، وقرارات الأمم المتحدة .
وبإيجاز أقول إن القدس لن تعود إلا تحت راية
الإسلام وليس مهّما أن يكون قائد العودة عربياً كما حدث في المرة الأولى حيث عادت
تحت زعامة قائد مسلم غير عربي هو صلاح الدين الأيوبي في وقت كان العرب فيه منقسمين
على أنفسهم وبإذن الله ستعود للإسلام والمسلمين ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله
. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لايخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا
يعلمون ).
الأستاذ / يحيى عبد الرحمن الفرا