الحمدلله منـزل القرآن بلسان عربي مبين ، شرفاً للعرب ، وذكرى للعالمين، وهدى
للمتقين . وله الحمد علم البيان ، وأرسل محمداً العدنان عليه الصلاة والسلام،
أفصح الإنس . أنزل الله عز وجل رسالة الإسلام الخاتمة، في آخر الكتب السماوية
وأكرمها القرآن الكريم ، إلى الثقلين حتى آخر الزمان ، فكان طبيعياً أن تتصف
هذه الرسالة بالعالمية، وأن يختار لها أبين لسان، وأجمل بيان ، لحمل أقدس
تشريع عرفه الإنسان.
وصفة العالمية ضرورية لاحتواء ألسن الناس، ولمخاطبة قلوب الشعوب ومشاعرها .
ونرى العالمية في فاتحة الكتاب : " الحمدلله رب العالمين " وتكرر لفظ " رب
العالمين " في (41) واحد وأربعين موضعاً من القرآن، ونراها في تعميم مهمة
الرسول عليه الصلاة والسلام " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " 21/107 ، وقد
جاء لفظ ( العالمين ) دون إضافة كلمة " رب " في (31) واحد وثلاثين موضعاً.
ونراها في وصف القرآن في قوله تعالى : " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده
ليكون للعالمين نذيراً 25/1 وفي مواضع أخرى من الكتاب الكريم.
فعروبة القرآن التي يريدها الله في رسالته لكل الناس، عروبةُُ منفتحة، تحتضن
أفضل ما في اللغات عند اللزوم وبعد تعريبه ، ليصبح في مفرداتها، عربياً مبيناً
، كما انتقت لهجة قريش الكثير من لهجات القبائل الأخرى وطبعتها بطابعها ،
واتخذته في لسانها.
وهذا ما خول عروبة القرآن والسنة أن تسود على لغات الأمم، فتفخر الشعوب
الإسلامية غير العربية بإتقان لسانها العربي المبين.
ولما اقترح سلمان الفارسي حفر الخندق ، قال عليه الصلاة والسلام :" خندقوا هنا
" اشتق فعلاً من الاسم على البديهة دون حرج.
وما أكثر ما ضمّ القرآن مفردات الأمم معرّبة ، فذكر " الإنجيل" بمعنى البشارة
من السريانية أو الآرامية، وذكر " القسطاس " بمعنى الميزان من اللاتينية، و "
البرهان " من الحبشية ، والغسّاق " من التركية ، و" الإستبرق " " والزرابي
"وغيرها من الفارسية ، " وطوبى " من الهندية ولفظة " قطِّنا " " وأمين " من
العبرية ، وهناك مفردات أخرى يضيق المقام بذكرها . ورغم هذا يصر القرآن على
عروبتها " إنا أنزلناه قرآناً عربياً " يوسف. وإذا هاجم المغرضون مكانة
العربية، فيكفيها شرفاً أنها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية.
ولئن كانت اللغة عنصراً حيادياً ، ووعاء يشرف بحمل الحق والخير، ويسقط بالباطل
والشر، فإن الله عز وجل لم يختر العربية عبثاً لتكون لغة الرسالة الخاتمة ،
كما أنه لم يختر العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليها السلام دون غيرهم،
إلا لمزيات فيهم، وذلك زمن نزول الرسالة خاصة. ويبقى التشريف للعرب ما تمسّكوا
بالإسلام وعروبته الربانية المنفتحة على العالم، فإن أبوا إلا عروبة أبي جهل
وأبي لهب ، ولَّى عنهم هذا التشريف .
ولا يعرف للعربية قدرها إلا العلماء المنصفون، الذين يرون وفرة مفرداتها ، وغنى
صور التعبير فيها ، وعمق الدلالات اللفظية والمعنوية والإيحائية ، فضلاً عن
مرونتها العجيبة في التعريب، والصياغة ، والاشتقاق ، والنحت.
ومعلومٌ حتماً، أنّ تأخر اللغة العربية عن الريادة العالمية ، سببه تأخر
أبنائها والناطقين بها، الذين تقاعسوا عن نشر الإسلام قروناً، وتركوا السير في
الأرض ، وأغفلوا الشهادة على الناس في متابعتهم اكتشاف آيات الله في الآفاق
وفي الأنفس ، فبادر السابقون من الأمم في مضامير العلم والمعرفة إلى فرض
لغاتهم على العالم ، وبدهيُُ أن تحمل المخترعات والمكتشفات والأبحاث وغيرها
أسماء وتسميات الذين سبقوا إليها، ويتخلّف الآخرون ، وتتأخر لغاتهم عن استيعاب
متطلبات العصر، وبالتالي تسود قيم وأخلاق الغالبين والمتقدمين، لتتراجع لغة
المتقاعسين وقيمهم، وتتهم العربية بالتخلف ظلماً بغير حق. ومع ذلك، فقد اثبت
اللغويون العرب المعاصرون في المجامع ـ ورغم المعوقات ـ مرونة العربية في
التعبير عن جوانب الحياة العصرية المختلفة ، وفي كل المجالات، العلوم والفنون
والطب والحساب والثقافة والفضاء، والعلوم العسكرية فضلاً عن الآداب وبقية
العلوم الإنسانية ، وعلى رأس كل هذه الفروع، طرائق الدعوة إلى الإسلام،
وأساليب عرضه، والحوار والمٌحاجّة وتفنيد زيوف العقائد والأفكار .
فغفرانك اللهم عن تقصيرنا في خدمة لغة القرآن ، أم اللغات .
وإن تغفر اللهم تغفر جمّا، إنك أنت الغفور الرحيم .
المدرس / محمد زهير حبيب